القائمة

الرأي

عبثية اختلاف الأهلة في بلاد المسلمين1/3

من مظاهر التخلف العلمي و التنظيمي التي ما تزال  تصول في ساحة المسلمين،  هذه الفوضى  في تحديد  بداية كل شهر قمري. وتتكرر  هذه المظاهر أكثر عند هلال رمضان وهلال شوال، أو هلال ذي الحجة .. فأعياد المسلمين ، وشعائرهم الدينية التي كان من المفروض أن توحدهم ، وترص  كلمتهم ، وتجمع شعَثَهم ، قد أمست في ظل تخلف المسلمين- وسيلة لتشتيت كلمتهم، واختلاف وِجهتهم ، فبعض المسلمين يحتفلون بعيد الفطر في بلد إسلامي، تعمه  مظاهر البهجة والسرور ويستمتع الناس فيه بالطيبات بعد أن يؤدوا صلاة العيد، بينما في بلد إسلامي مجاور على حدود تلك الدولة ، ما يزال إخوانهم  منصرفين إلى أعمالهم، يكابدون الصوم إلى اليوم التالي، أو حتى اليوم الذي بعده !!

نشر
DR
مدة القراءة: 8'

عرفة الصغيرة  والكبيرة

وفي يوم عرفة، بينما جموع المسلمين الذين أتوا إلى الحج من جميع أنحاء المعمورة يقفون في عرفات،  فإن بلدان إسلامية أخرى يتأجل فيها يوم عرفة إلى يوم أو أكثر، بعض هذه الدول لا يفصلها عن البلد الآخر سوى أمتار قليلة. كدول الخليج والسعودية، والأردن وسوريا والعراق ! و في المغرب استحدثنا يوم عرفة الصغيرة و يوم عرفة الكبيرة.

و قد أدى التنكب للعقل، والإسراف في النظرة التجزيئية، إلى أمر لا يصدق حيث في بعض السنوات بلغ عدد الأيام التي تفصل ما بين بعض الدول الإسلامية إلى 3 أيام بل حتى أربعة أيام!

ففي سنة 1999 أفطرت نيجيريا يوم الجمعة 6/1/1999

والسعودية والأردن ودول الخليج يوم السبت !

و مصر و المغرب والجزائر و تونس و غيرها يوم الأحد!

و الهند والباكستان يوم الإثنين    المصدر : كتاب :  بيان حكم اختلاف المطالع والحساب الفلكي.  المؤلف:  سامي وديع عبد الفتاح القدومي.   

و في رمضان 1409 ه ثبتت رؤية هلال رمضان يوم الخميس الموافق 6 أبريل 1989 في كل من السعودية و الكويت، و قطر و البحرين و تونس و غيرها، أما مصر و الأردن و العراق و الجزائر و المغرب و غيرها فيوم الجمعة.

أما باكستان و الهند و عمان و إيران و غيرها فيوم السبت!

هذا ما يترتب من فرقة و فساد على من يفتي في الجغرافيا و هو لا يفقه في علمها حديثا!    

فما هي أسباب هذه الفرقة المعيبة؟ و ما هي علة هذا العبث المشين ؟ إن الذي خلق الشمس هو من خلق القمر … والذي قال : "هو الذي جعل الشمس ضياء "  هو الذي قال بعدها : "…والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب" و هو الذي قال في تحريض جلي على المقاربة العلمية لحركة الأفلاك : " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج " و قال في سورة الرحمن : " الشمس و القمر بحسبان"  فما بال بعض علماء المسلمين غفلوا وتخلفوا عن العلوم الكونية القائمة على علم الحساب الدقيق الذي يهديهم إليه القرآن الكريم؟ بينما نرى الغربيين اعتمدوا التقويم الشمسي، و أحسنوا استعماله فوحدهم، ونظم حسابهم وتقويمهم ، ودراساتهم وخططهم المستقبلية، و بوأهم المكانة الأسمى في سلم التقدم و التنظيم و القوة. و صرنا نحن المسلمون عالة مستجدين لدقة حساباتهم، وتقويمهم بعد أن أفسدنا تقويمنا الهجري القمري وقد استأمنا إياه الإسلام؟

التقويم الهجري أمانة ضيعناها

إن العرب والمسلمين بتخلفهم عن مقاصد الشرع المنيف، أثبتوا لمن حولهم من الأمم أنهم ليسوا أكفاء للإنتفاع  بالتقويم القمري الأكثر دقة من التقويم الشمسي فيما لو وجد من يتبناه . فالتقويم الهجري أمسى  - في يدنا -لا يصلح لتنظيم المجتمع، ولا للتخطيط الرياضي الدقيق، ولا للخطط المستقبلية … فما  زلنا نبني حساباتنا وخططنا التعليمية، والاقتصادية، والعلمية على الاحتمالات المتعددة المتكررة عند نهاية كل شهر قمري، و الذي يزيد الفرق فيها بين بعض الدول الإسلامية  أحيانا على ثلاثة أيام!!  كما أسلفت . وهذا التهور والتخلف، فرضا على أفراد وجماعات أمتنا عُسرا، وضنكا في العيش و حرجا. فالموظفون المهاجرون- مثلا- سواء داخل الوطن أو خارجه، في التعليم أو الإدارة أو أية وظائف أخرى، يفرض عليهم هذا الواقع المتخلف…أن يؤجلوا سفرهم لرؤية ذويهم، وأحبابهم إلى حلول الليل! ليعرفوا ماذا سيكون عليه اليوم التالي؟! فإن كان عيدا سافروا وإن كان يوما عاديا وجب عليهم الحضور للعمل؟ و في كثير من الأحيان تقع كوارث بسبب ذلك! سواء بالإفراط في السرعة لمن فرض عليهم السفر في آخر لحظة، وهم على بعد مآت الكيلومترات عن ذويهم وأحبائهم .. أو بسبب تفرق الشمل لمن تعذر عليهم السفر العاجل. كما أن كثيرا منهم تفوتهم مواعيد القطارات، والطائرات فيحرمون من رؤية ذويهم في لحظات الفرحة العامة .. وأمثلة الحرج و الضنك كثيرة  و متعددة. فمن المسئول عن كل ذلك؟ ألا إنني أشهد أن الإسلام  بريء من كل ذلك .. بل المسئول هو تخلف واقع المسلمين و تخلف بعض الفقهاء في المقام الأول ..

إن العلم لو اعتمدناه لاستطعنا أن نعرف في أي يوم من الأسبوع سيكون أول رمضان، أو عيد الفطر، أو عيد الأضحى أو أي شهر قمري آخر في عام 5014 وليس 2014 فحسب، ولكن بعض فقهائنا -وبعد أن تخلفوا عن ركب العلوم البحتة و طلقوها منذ زمن سحيق ..أدخلوا الأمة في مضايق من المعوقات الفكرية و الفقهية  يصعب الفكاك منها… 

تهافت شبهة اختلاف المطالع :

إن الفقهاء الذين يحولون ما بين الأمة وتوحيد شعائرها، يتعللون بما يسمونه باختلاف المطالع .. فإذا ما سألتهم : ما هي ضوابط وحدود هذه المطالع؟…لم ينبس أحدهم ببنت شفة …فهم لا يستطيعون استدعاء علم الجغرافيا أو أية علوم مساعدة في هذا الميدان، وأصبحت المطالع التي يعنونها عمليا  هي الحدود السياسية مابين الدول. كبرت أو صغُرت!! فالسعودية -طبقا لهذا المفهوم- لها مطلع واحد ، رغم أنك لو وضعت ضمن خارطتها جميع دول الخليج والأردن ولبنان وفلسطين وسوريا و حتى العراق لوسعتهم جميعا ؟ و نفس الشيء يقال عن السودان و ليبيا و الجزائر.

ولا أدل على ذلك من كوننا لم نسمع أحدا من الفقهاء في السعودية أو في غيرها يقول باختلاف مطالع الهلال ما بين تبوك و الطريف في الشمال الغربي، ونجران أو الشراورة في الجنوب الشرقي . رغم أن المسافة بينهما تزيد على 1500 كيلومتر … بينما يقولون باختلاف المطالع مابين السعودية ومصر .. وليس بينهما سوى شريط ضيق من البحر الأحمر في خليج العقبة ..  وبينها وبين الأردن و اليمن و العراق و الإمارات وسلطنة عمان و الكويت، وهي جميعها  ملاصقة للسعودية .. فبأي معيار جغرافي، أو حساب فلكي، أو هدي رباني يقيس به هؤلاء الفقهاء أمورهم؟! وإذا اقتربنا من هذا الموضوع علميا ، ولاحظنا- كخطوة أولى وأساسية- خرائط مجال رؤية الهلال فوق الكرة الأرضية، كما هي منشورة في كثير من المواقع العلمية المتخصصة ، ندرك أن مجال رؤية الهلال بعد ولادته، وبالتحديد في مرحلة إمكانية الرؤية المجردة … أن هذا المجال يتسع أحيانا ليشمل معظم الأرض . فمجال رؤية الهلال –هلال شوال لسنة 1431 ه مثلا امتد من القطب الجنوبي حتى الدول الاسكندينافية في الشمال.. فالأرض كلها كانت مطلعا واحدا .. لا اختلاف أساسي جوهري فيه. كما أن مجال رؤية الهلال لهذه السنة سيشمل معظم القارات و ستتوحد الرؤيا من أستراليا إلى أمريكا، و لا يبقى سوى بعض مناطق شمال الكرة الأرضية كما تبين الصورة المرفقة. وإذا ما تأملنا في حقائق علمية بسيطة عن الأرض والقمر نلاحظ أن حجم القمر هو على الربع من حجم الأرض ، و المسافة بينهما لا تتعدى 373 ألف كيلومتر، والهلال يمتد ليشمل ثلث قطر القمر تقريبا في اليوم الأول من رؤيته .. فنحن أمامنا أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر من المساحة المضاءة المواجهة لنا من مساحة القمر .. ونظرا لقرب القمر من الأرض وعدم ابتعاده عن مجالها .. فإن مجال رؤيته ومطالعه -في الغالب- تكون واحدة في "معظم" الدول الإسلامية والعربية ..

وأغلب المناطق التي تعسر فيها رؤية الهلال هي المناطق الشمالية من الأرض. لأن القمر في الغالب يميل نحو جنوب خط الاستواء . وبالتالي كلما توغلنا في شمال الأرض كلما عسرت الرؤيا المجردة ، وفي الغالب تستحيل الرؤيا المجردة، وتقتصر على المراصد الفلكية أو مكبرات الرؤيا.

ربما يستشكل على بعض القراء هذه الأشكال البيضاوية  في الصورة لمجالات رؤية الهلال فوق سطح الأرض ، لماذا هي بهذا الشكل؟ ولماذا تضيق شرقا وتتسع غربا ؟و الجواب على ذلك تفسره كروية الأرض وانزلاق زوايا الرؤيا على حافتي الأرض سواء على جانبي خطوط الطول أو خطوط العرض. كما و يتمثل الجواب في كون الهلال يكون في بدأ ظهوره دقيقا لا يكاد يراه إلا ذووا البصر الحاد في منطقة تبتدئ ضيقة ثم تأخذ في الاتساع مع كل دقيقة وساعة تمر فتزداد مساحته المضاءة المواجهة لنا و المتحررة من تعامد الشمس مع كل من القمر  و الأرض.  

ففي 3 ساعات يكون القمر قد قطع فيها 10800 كيلومتر تقريبا في مداره بعيدا عن التعامد.

والهلال لا يمكن رؤيته إذا كان يتوسط الخط المستقيم بين الأرض والشمس. و تبدأ إمكانية رؤيته بالعين المجردة بعد أن ينزاح شرق ذلك الخط وتسمى الفترة الزمنية التي يستغرقها القمر في تحرره من ذلك التعامد فترة المحاق ، و تستغرق بضع ساعات ، و لذلك فهناك فرق زمني ما بين ولادة الهلال و إمكانية رؤيته المجردة. وتختلف هذه الفترة حسب منازل القمر و موقعه من  الأرض باختلاف الفصول و الأعوام، نظرا لتقلب موقع الأرض في مدارها حول الشمس.

و  على هذا فمن المقرر علميا أن الدول التي تقع في غرب الأرض مؤهلة لرؤية الهلال أكثر من نظيرتها الواقعة في الشرق . فالمغرب العربي مثلا خصوصا المغرب الأقصى فرصته في رؤية الهلال أفضل – بعد رؤية المشرق- من فرصة دول  مثل اليمن و السعودية، نظرا للفرق الزمني البالغ 3 ساعات ما بين المغرب و السعودية فهذه الفترة الزمنية لها تأثيرها في زيادة مساحة القمر المضاءة المطلة علينا من القمر ، أو بعبارة أخرى: المساحة التي يقطعها  القمر بعيدا  عن تعامده مع الشمس و الأرض. فالمغرب مؤهل جغرافيا أن يكون مرجعا للعالم الإسلامي في توحيد الرؤيا، و الخروج من هذه الفوضوية في التقويم الهجري ،خصوصا وهو يمتد على طول أكثر من 3 آلاف كيلومتر من الشمال إلى الجنوب ، و من طنجة المطلة  على مشارف أوروبا إلى الكويرة المطلة  على إفريقيا السوداء.

و لايفهمن القارئ أنني أنفي وجود اختلاف مطالع الهلال، فنظرا لشكلي الأرض و القمر الكرويين و موقعهما خلال الدورات الفلكية حول بعضهما و دورتهما في فلكهما حول الشمس فلا بد أن تعكس هذه الحقيقة اختلافا في مجال رؤية الهلال يوم  و لحظة خروجه من المحاق، لكن ذلك لا يخضع للحدود الجغرافيا السياسية، و لا يمكن أن يكون بالمدة التي هي مكرسة على خارطة العالم الإسلامي، كما أن اختلاف المطالع لا يمنع من اعتماد وحدة  التقويم الهجري. فكما أن للقمر مطالع فكذلك للشمس مطالع أيضا، و اختلاف مطالع الشمس لم يمنع الغرب من اعتماد تقويم موحد و عملي يعتمد في أدق الحسابات الفلكية.

و في الحلقة الثانية  سأناقش الأدلة التي يتعلل بها بعض الفقهاء لتكريس التفرقة في أهم مظاهر الوحدة بين المسلمين بدعوى اختلاف المطالع.

زيارة موقع الكاتب: http://www.arouas.blogspot.com

منبر

أحمد الرواس
صاحب مقاولة صغيرة لإنتاج الملح
 www.arouas.blogspot.com
كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال