تُعرف مدينة إفران بلقب "سويسرا الصغيرة"، حيث تتمتع بمناخها البارد وطبيعتها الخلابة التي تجذب الزوار على مدار السنة، سواء خلال الشتاء المغطى بالثلوج أو في المواسم الدافئة التي تزدهر فيها غابات البلوط الأخضر وأشجار الأرز.
ولأن زيارة إفران لا تكتمل دون التقاط صورة بجانب تمثال أسد الأطلس، فقد أصبح هذا التمثال رمزا أيقونيا للمدينة. منحوتٌ بعناية من الحجر، يستقر الأسد في إحدى حدائق إفران المصممة على الطراز الأوروبي، في وضعية تُذكّر إلى حد ما بتمثال أبو الهول في مصر، وإن كان أصغر حجما.
لكن، كما هو الحال مع أبو الهول في الجيزة، يكتنف الغموض هوية النحات الذي أبدع هذا العمل الفني، ليظل اسم الفنان الذي نحت الأسد بإتقان من الصخر مجهولا حتى اليوم.
لطالما حاول الباحثون والمؤرخون حل هذا اللغز، لكن الحقيقة تبدو أكثر تعقيدا من السؤال نفسه. فقد ظهرت عدة روايات حول أصل التمثال، أبرزها أنه يعود إلى أسير إيطالي كان يقضي عقوبته في أحد سجون إفران خلال الحرب العالمية الثانية.
روايات أخرى، نقلها بعض كبار السن من سكان المدينة، تُنسب العمل إلى جندي من الفيلق الألماني، وأحيانا إلى جندي فرنسي.
إلا أن هذه الفرضيات تفتقر إلى الدقة التاريخية، إذ يعود ظهور التمثال إلى فترة تسبق الحرب العالمية الثانية. ووفقًا لمعرض "أسد إفران: معرض توثيقي"، الذي نظمته جامعة الأخوين، فقد ظهر التمثال في بطاقات بريدية تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، أي بعد فترة وجيزة من تأسيس المدينة. ويشير المعرض إلى أن "الأسد ظهر في بطاقات بريدية تروّج لإفران كوجهة سياحية صيفية وشتوية"، مستشهدًا بأرشيف M6L والمجموعات الخاصة التي توثق وجود التمثال منذ عام 1933.
بفضل جهود الكاتب والباحث محمد العوين، وهو من أبناء إفران، ظهرت فرضية أكثر إقناعا حول هوية النحات. فبعد سنوات من البحث، خلص الكاتب إلى أن التمثال نُحت حوالي عام 1930 على يد النحات الفرنسي هنري جان مورو، الذي كان أستاذا للفنون التشكيلية، في ثانوية غورود بالرباط (المعروفة اليوم بثانوية الحسن الثاني).
وكان مورو، الذي تلقى تعليمه في مدرسة الفنون الجميلة في باريس، قد غادر فرنسا عام 1928 ليستقر في المغرب، حيث عاش حتى عام 1954.
وفي كتابه "لؤلؤة الأطلس المتوسط" (2002)، يدعم الكاتب العوين هذه الفرضية، مشيرا إلى أن مورو لم يكن مجرد مدرس للفنون، بل كان أيضا مفتشا للآثار التاريخية في المغرب، ما يجعله المرشح الأبرز لنحت أسد إفران.
يُرجح العوين أن يكون أسد إفران أحد أوائل الأعمال التي أبدعها مورو في المغرب، لكنه لم يكن الوحيد. فقد صمّم لاحقا عددا من المنحوتات البارزة، من بينها: تمثال السيدة العذراء في كنيسة نوتردام دي سيدر بإفران، والنصب التذكاري للحرب في ثانوية غورود بالرباط، وتمثال نصفي للسلطان محمد الخامس.
عُرف مورو بمهارته في التعامل مع مجموعة واسعة من الخامات، بما في ذلك الحجر والخشب والطين المحروق (التراكوتا)، وفقا لمكتبة محمد السادس.
على الرغم من أن نظرية الكاتب العوين تبدو الأكثر منطقية، فإن هوية النحات الذي أبدع أسد إفران لا تزال غير مؤكدة بشكل قاطع. ومع ذلك، هناك أمر واحد لا شك فيه: سيظل التمثال رمزا خالدا للمدينة، وستبقى صوره تملأ ألبومات الزوار، تماما كما كان الحال منذ عقود.