القائمة

أخبار

دياسبو #328: عبد المجيد مهدي.. فنان مغربي من متشرد إلى قصر طوكيو بباريس

ولد عبد المجيد مهدي بتازة سنة 1950، وغادر المغرب وهو في العشرين من عمره للعمل في فرنسا. وعلى الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، لم تسر الأمور كما هو مخطط لها. ووجد المهندس المعماري نفسه يعيش في الشارع من عام 2007 إلى عام 2022. وما بين 16 فبراير  و30 يونيو 2024، تغيرت الأمور حيث باتت أعماله تعرض في قصر طوكيو.

نشر
DR
مدة القراءة: 4'

في قصر طوكيو بباريس للفن المعاصر، يقدم معرض "الإشارة" أعمال الفنان الجزائري محمد بورويسة، بالإضافة إلى أعمال المبدعين الآخرين، الذين تمت دعوتهم من قبل هذا الأخير. وفي الفترة من 16 فبراير إلى 30 يونيو 2024، سيعرض الفنان المغربي عبد المجيد مهدي أعماله على جدران هذا القصر الشهير.

عند النظر إليها من بعيد، فإن إبداعات هذا المهندس المعماري الذي، يصفها بعض المتخصصين بأنها فن خارجي (صاحبها فنان عصامي)، ولكن عند الفحص الدقيق، يتبين أنها أكثر تعقيدًا، ولا يمكن تصنيفها، ويقول صاحبها إنها جزء من منهج الفن المفاهيمي، الذي يجمع بين مختلف التخصصات والأساليب التأملية، بين الهندسة المعمارية والفكر والحساب والرياضيات، بين الملموس والعلمي، وكلها مشوبة بالتصوف.

ووجد المهاجر المغربي الأصل في قصر طوكيو بباريس، منفذًا قويًا للتعبير الفني والقراءة والاستكشاف الروحي خلال فترة التشرد بين عامي 2007 و2022. وغذت موهبته الفنية، التي ظهرت منذ سن السابعة، روحه الداخلية القوة "لبناء مستقبله"، على حد تعبيره. وكان يقضي لياليه في سيارته الصغيرة، وأيامه منغمسًا في القراءة والرسم في المكتبات، متخيلًا المستقبل الذي سيصنعه لنفسه عندما يجد سكنًا قارا.

بعد دراسته في مسقط رأسه بتازة، غادر عبد المجيد مهدي المغرب في سن العشرين ليعمل في صناعة السيارات. وقال "لسوء الحظ عند وصولنا، تم إرسالي أنا ورفاقي إلى الشمال، إلى مصنع للخرق. رفضنا ذلك وعدنا إلى باريس لنبحث عن عمل آخر. بعد ذلك، غادرنا إلى نورماندي للعمل في مصنع للخشب"، وبعد ذلك اشتغل في عدة مهن بحثا عن مورد رزق يمكنه من العيش بكرامة، لكنه سرعان ما وجد نفسه غير قادر على دفع الإيجار.

وبالموازاة مع ذلك، فقد الفنان روابطه العائلية ببلده الأصلي، مما عجل بـ"الموت الاجتماعي"، على حد وصفه

الرسم والتعلم لإعادة بناء المستقبل

واستمر على هذا الحال لسنوات، وتنقل بين العديد من المدن، لكن دون أن يتمكن من تغيير وضعه، وضعفت روابطه الأسرية أكثر فأكثر.

"كان والدي قد وصل إلى فرنسا عام 1963، لكنه كان يستعد للعودة إلى المغرب عندما كنت أستعد للهجرة. واستقر في بلده الأصلي عام 1971، ثم توفي عام 1985. ولأنني بقيت في فرنسا، لم أره قبل وفاته. وبعد ذلك لم أشهد وفاة والدتي. بقي جميع أقاربي في المغرب، كما غادرت أختي وأخي، ثم وجدت نفسي معزولاً في الخارج، كوني الأكبر بين ثلاثة إخوة. ومنذ عام 1996، لم أعد إلى المغرب".

عبد المجيد مهدي

وفي عام 2007، تم رصد إبداعاته من قبل الجهات الثقافية الفاعلة. ونظم له معرضين منذ ذلك الحين، أحدهما في LaM، فيلنوف-داسك، والآخر في المركز الوطني للدراسات المكانية في باريس، في عام 2008. وقال "لدي فضول في دمي، مع حماس خاص للقراءة، وخاصة الصحف للبقاء على اطلاع بما يحدث في العالم. بالنسبة لي، المعلومات جزء من الطقوس اليومية، مثل الأكل والشرب. وفي هذه الصحف كانت هناك أخبار عن معارض ومقالات ثقافية وأشياء أخرى كثيرة"، وواصل "لقد دربت نفسي بهذه الطريقة: في سيارتي، كنت أرسم"، وتابع "لقد رسمت في المكتبة".

وقال عبد المجيد مهدي إنه منذ حوالي عشر سنوات، على الرغم من فقدان العلاقات مع الوطن الأم، شرع في تصميم "مشاريع معمارية مستقبلية للمغرب، على أمل الوصول في يوم ما إلى إقامة علاقات مع الحكومة أو العائلة المالكة، وإرسالها إلى البلاد، باعتبار أنها أعمال غير منشورة" وتستحق العرض. ويحرص الفنان على عدم توزيع أعماله على نطاق واسع، بعد أن كان ضحية لسرقة إبداعاته على مدى عدة سنوات. حيث تم تقديم العديد من رسوماته بأسماء أشخاص آخرين زعموا أنهم أصحابها.

ذكريات الماضي..

كما لعب الحفاظ على ارتباطه بمعالم طفولته وشبابه في المغرب دورا حاسما في إبقاء عبد المجيد مهدي واقفا على قدميه خلال خمسة عشر عاما من التشرد. وقال "حتى عندما تنام مطويًا في سيارة صغيرة، لا يزال بإمكانك العثور على الطاقة الإبداعية لصنع الفن والرسومات والدراسة وتغذية معرفتك وإبداعك"، يقول الفنان.

وينسب الفضل إلى روحانيته ودينه وإيمانه وقوة إرادته كقوى دافعة له. ويتذكر تعزيز روحانيته بين سن 16 و 20 عامًا في تازة من خلال مرافقة إخوته المتدينين لزيارة "أولياء الله" بعد صلاة الفجر.

"لقد تعلمت القرآن من خلال هؤلاء الأشقاء، خلال التلاوات الجماعية. والآن، أعمل أيضًا على أعمالي الفنية المستوحاة من القرآن الكريم. أشرح العلاقة الغامضة بين الإنسان والإله والكون. يجب أن أقول أن الله لم يتركني. لقد غرس في داخلي روح التساؤل حول العالم الخارجي وتخيل كيف يتحرك الإنسان عبر الروح، تاركًا جسده هنا تحت الأرض".

عبد المجيد مهدي

في نهاية المطاف، فإن أمله في المستقبل والفرص التي توفرها له الحياة ستساعده على الخروج من الهاوية شيئًا فشيئًا. في البداية، غادر عبد المجيد مهدي سيارته في المدينة متجهاً إلى مقطورة سفر قدمها الجيران، منذ دجنبر 2022.

وبالنسبة للفنان، فإن إقامة معرض في المغرب سيكون بمثابة تحول جيد، وهو الذي سبق له أن عرض أعماله في تازة، عندما كان عمره 16 عامًا، وقال "إذا كان بإمكاني أن أحظى بعلاقات جيدة في المغرب، فيمكنني أن أعود، مع صناديق تحت ذراعي...".

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال