القائمة

الرأي

فيديو أطفال الشوارع: اليوم أفلسنا انسانياً

هناك لحظات في حياة الشخص يحس فيها بإفلاسه كإنسان. أحسست بالإفلاس عند رؤية الفيديو المرافق لهذا النص. الفيديو يظهر صحفياً يشتغل بإحدى الجرائد الإلكترونية وهو يحادث أربعةً متشردين في شوارع الدار البيضاء (أو الدار الكحلة كما يسميها من ذاق عذابها) هم ثلاثة أطفال وشاب يشكو من إعاقة لا تسمح له بالتعبير بسهولة.

نشر
DR
مدة القراءة: 4'

المشردون الأربعة ينتمون لثلاث أحياء شعبية فقيرة من أحياء المدينة الغول: سباتة، الحي المحمدي وباشكو. من الطبيعي أن تختلج أي إنسان يحتفظ ببعض انسانيته مشاعر الحزن والغضب عند مشاهدة البؤس مركزاً في فيديو لا يتزاوج التسع دقائق؛ لكن كل مرة يرى فيها المرء كل هذا ويذهب لتناول العشاء بعد دقائق كأن شيئاً لم يحدث، كل مرة تنطبع هذه الصورة القبيحة لإفلاس البشر كجنس من أجناس المخلوقات في مخيلة شخصٍ ما ثم ينشغل عن قبح الصورة بتلبية نداء الأمعاء، كل مرة يفعل الشخص هذا يفقد بعضاً من انسانيته … وأنا أظنني فقدت كل ما تبقى انسانيتي وأفلست كلياً عندما نظرت بعجز إلى الدموع طفلٍ وهي تجرف بعض الغبار عن خديه الغائرين.

لقد كان هذا الطفل ذو اللباس الأخضر هو الوحيد الذي بكى عل حاله وعلى حال أصحابه الثلاثة، ربما لأن الكاميرا صادفته في حالة وعي نسبي بينما خذلت الكلمات المتثاقلة لاصحابه أثر المخدرات الرخيصة عليهم. بكى الطفل على حاله وعلى حال أصحابه ويالهول ما قال، أول ما قال أن الناس يمرون بجانبنا، يروننا ونراهم يصحبون أطفالهم إلى المدارس بينما نحن في ضياع نغرق يأسنا في المخدرات الرخيصة. طفل يبلغ من السن 16 سنة لكن جسمه يوحي بأنه لم تجاوز العاشرة ينظر في وجه المجتمع ليقول له: نحن نعرف انكم تخليتم عنا، فقط نود أن نسالكم لماذا؟ ثم يقول كل مانريده هو مستقبل ومكان على صف المدرسة. لم يقل أنه يريد مالاً أو لعبةً أو أكلاً، يريد مستقبلاً؛ مكاناً في المدرسة ثم عملاً ليتمكن يوماً من تأسيس عائلة ويأخذ أطفاله إلى إلى المدرسة كما يفعل أولائك الذين يتجاهلونه كل صباح. كما تسائل هذا الطفل هل يتركنا المخزن نصنع مسقبلاً؟ الطفل الملقب بـ "الجن" ربما لتوقد ذكائه وسرعة بديهته وضع يده على أصل الداء: مخزن متحكم ومجتمع إختار جانب كبير منه أن يصم الآذان ويغمض العيون. اقترح على أصحاب أطروحة إستثنائية المغرب والتغيير في إطار الاستقرار تنظيم مناظرة لمناقشة «الجن» وإقناعه بضرورة المحافظة على الاسقرار الذي لم يعرفه يوماً كما اقترح على السيد بنكيران أن يستعين بالجن لصرع «العفاريت» الذين يضعون العقبات في طريقه «للإصلاح»، فبعد سنة من الإستعانة بفقهاء التوحيد و "الإصلاح" في عملية صرعٍ لم تؤتي ثماراً، لابأس من تجريب إستعمال الجن ضد العفاريت.

اليوم أفلست كإنسان ليس لأني لم أرى مثل هذا قط ولكن لأن الرؤى تتراكم. اليوم أفلسنا كشعب وكوطن وكأمة لأننا نتبجح كل حين بعلونا الأخلاقي على الغرب ونتباهى بحرصنا على قيم التضامن الأسري والعائلي والإجتماعي في وجه غربٍ يفترض أن يكون «فاسداً أخلاقياً» و "فارغاً روحياً". بينما نحن ننام ملء جفوننا ونأكل شبع بطوننا على ظهر أطفال الشوارع وأخواتهن اللواتي يخدمن في بيوتنا ويحمن حول ولائمنا الموسمية وهن جائعات ثم نتذوق الشاي المساعد على هضم الأكل ونرفقه ببعض حديث الإستقرار المساعد على هضم حقوق المستضعفين في الأرض. لا أحاول تمرير خطاب اخلاقوي قد مل الناس منه، انما خطابي «لا أخلاقي»[1]؛ فالخطاب الأخلاقي الرسمي وغير الرسمي لم يعد أكثر من أقراص نوم وموجات تنويم مغناطيسي تتجه نحو العقول لتجعلها في «اتفاقٍ تامٍ مع الحياة»[2] كما هي وعلى ماهي عليه من ظلم وبؤس.

على كل أتمنى أن لا يخال أحدٌ أن تجاهل البؤس الذي يحيط به وإستغلاله لتحسين وضعه الشخصي سيكون دون عواقب، فكما يقول المغاربة «اللي فرط يكرط» وكما يقول الصحافي علي أنوزلا «الثورة قادمة لا ريب فيها»، ليس لأن 20 فبراير ستحضرها إلى شوارعنا أو لأن البؤساء والمنسيين سيتحدون لقلب النظام، بل لأن بدور نهاية هذا النظام هي في نفس الوقت أسباب قيامه الآن، فالفساد المستشري الذي يضمن ولاء بارونات المخزن هو نفسه وراء إنهيار الإتزان المالي للدولة ولمن لم يصدقني فلينظر إلى عجز ميزانية الدولة السنة الفارطة وإلى العجز المتوقع هذه السنة، أو لينظر إلى تلاشي مخزون الدولة من العملة الصعبة [3] أو إلى إنهيار تحويلات المغاربة القاطنين بالخارج اثر الأزمة التي تضرب أوروبا. لا تتفاجأوا إن رأيتم شاباً يلبس الأخضر يحمل سيفاً وينتقم لنفسه يوماً في شوارعنا بعد أن تكون خزائن الدولة الفارغة قد عجزت على تمويل من يضمن لنا «الاستقرار» وأحديتهم فوق رقابنا، لقد اعطينا هذا الطفل وغيره ما يكفي من الأسباب ليكرهنا.

زيارة موقع الكاتب: http://www.mamfakinch.com/

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال