القائمة

تاريخ نشر

تاريخ جيش التحرير المغربي(6): الأوضاع بالمغرب قبيل انطلاق 02 أكتوبر 1955

سنتطرق في هذا المقال لبعض المعطيات المرتبطة بالوضع الذي أحاط بالفترة التي سبقت انطلاق معارك جيش التحرير في 02 أكتوبر 1955، منها انطلاق المفاوضات بين السلطات الاستعمارية الفرنسية والأحزاب المغربية في أواخر غشت 1955، وسعي فرنسا الحثيث لتجنب اندلاع حرب تحريرية بالمغرب على غرار ما عرفه الجزائر منذ 1 نونبر 1954، ومناورات جماعة تطوان.

مدة القراءة: 10'
DR

بعد تشكل خلايا جيش التحرير منذ 1951 بمنطقة اكزناية ومنذ 1952 بمرموشة، أي قبل أزيد من سنتين من نفي محمد بن يوسف (محمد الخامس)، وشروعها في التحضير لانطلاق الثورة التحريرية والبحث عن مصادر السلاح والتدريب عليه، وجدت نفسها أمام العديد من المعطيات المتسارعة خاصة منذ صيف 1955، منها لجوء عدد من عناصر المقاومة الفدائية إلى الشمال وبداية تأثيرها واتصالها بخلايا جيش التحرير خاصة من طرف عباس المساعدي، إلى جانب بعض التأثيرات السلبية والمعاكسة لجماعة تطوان على مسار الكفاح المسلح من أجل الاستقلال.

كما تزامنت هذه الاستعدادات مع بداية المفاوضات بين السلطات الاستعمارية الفرنسية وأطراف سياسية مغربية (كحزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال) التي رفضت خيار المقاومة المسلحة، بعد مرور سنين على نفي محمد بن يوسف (محمد الخامس) دون أن تفعل شيئا ملموسا.

الاستعمار الفرنسي يناور لتجنب انطلاق الكفاح المسلح

لعبت تصريحات محمد بن عبد الكريم الخطابي من القاهرة منذ نزوله بها سنة 1947، وإنشاء لجنة تحرير المغربي العربي هاجسا كبيرا للسلطات الاستعمارية بالمغرب، وتزايد هذا الهاجس مع انطلاق ثورة الجزائر منذ 1 نونبر 1954. وكان لذلك تأثير وضغط كبيرين على الوضع بالمغرب، فقد أصبح الخوف كبير لدى إدارة المستعمر من أن يصبح المغرب بؤرة أخرى للثورة التحررية مما سيزيد أعبائها العسكرية والسياسية بعد هزيمة الفيتنام المدوية، هذا رغم ثقتها ويقينها أن الأحزاب المغربية لن تلجأ إلى السلاح.

ففي سنة 1954 حاولت تلطيف الأجواء، وفتح قنوات الحوار مع الأحزاب وأطلقت سراح العديد من الزعماء ودفعهم إلى لجم المقاومين بالمدن ومنع الاحتجاجات، حيث تشكلت لجان تأديبية من طرف حزب الاستقلال لمعاقبة وحل الخلايا التي يشكلها المقاومين كما ذكر ذلك عبد الصنهاجي في مذكراته، كما اتجهت مساعيها لمحاولة البحث عن مخرج للاجئي الشمال بفتح قناة المفاوضات مع اسبانيا.

ويصف محمد الخواجة في مداخلة بعنوان "فرنسا وهاجس انطلاق حركة تحريرية بالمغرب" (غير منشورة) بندوة نظمتها كل من "جمعية أكنول للتنمية الثقافة وحفظ الذاكرة" وجمعية بورد للتنمية والرياضة للجميع" و"جمعية اجدير اكزناية" يومي 17 و18 نونبر 2017، إطلاق سراح الوطنيين بأنه "مشروعا ذكيا"، مذكرا بما قاله رئيس الوزراء الفرنسي أنذاك ادكارفور في مذكراته: "إن أهم قادة حزب الاستقلال الذين كانوا كلهم تقريبا أوفياء لمحمد بن يوسف لا يمثلون تيار العنف، وكانوا يعاتبون على ليونتهم"، وذكر في نفس الوقت بموقف أحد رجال الفداء (الذي وصفه ادكارفور بالإرهابي) حين كان يحاكم فقال " كان حزب الاستقلال يدعونا دائما إلى الهدوء، وقد مللت ثرثرته فغادرته لأقوم بعمل آخر".

فرغم ارتياح فرنسا لمواقف الأحزاب، إلا أن البادية والمناطق الجبلية احتفظت بكونها مصدر الإزعاج مع انتقال المقاومين المنفلتين من سطوة قيادة تلك الأحزاب إلى الشمال، وذكر محمد الخواجة في نفس المداخلة المذكورة أنه "رغم طمأنة الحزبيين لسير الأحداث بالمدن التي يسيطرون عليها فكانوا يحذرون الفرنسيين مما يمكن أن يجري بالبوادي".

عند اشتداد الخناق على فرنسا بادر ادكارفور رئيس الحكومة إلى الإقرار بمعاناة فرنسا في المغرب، كما ألح المقيم العام على وزير الدفاع الوطني بإرسال قوات عسكرية إضافية ورفض هذا الأخير العرض، واقترح استقدام القوات المتواجدة بالمناطق الهادئة. فإلى حدود غشت 1955 لم تكن مناطق الريف التي تحتلها فرنسا (اكزناية ومطالسة .... إلخ) تثير الشكوك كما كان الأمر نواحي الأطلس بأزرو ومريرت وخنيفرة وايت إسحاق ...

مفاوضات إيكس-ليبان: أزمة الاستعمار الفرنسي تجد حلها في الأحزاب المغربية

جاءت مفاوضات إيكس-ليبان في ظرف جد حرج، فقد كانت استعدادات جيش التحرير لانطلاق الثورة في مراحلها الأخيرة، بعد أحداث انكشاف عمل بعض الخلايا بالأطلس، وفي ظرف تصاعد عمليات جيش التحرير الوطني الجزائري.

وبعد الدعوة إلى المفاوضات، قامت السلطات الاستعمارية الفرنسية بتنويع المفاوضين بــإكس ليبان التي جرت في الفترة 22 و27 غشت 1955، فضم الوفد المغربي خليطا غير متجانس من ممثلي الأحزاب ومجموعة من القياد، مما سهل على المفاوضين الفرنسين تمرير شروطهم وعلى رأسها إحداث مجلس الوصاية على العرش، وقد انطبق على هذه المفاوضات القول: " إن فرنسا في هذه المحادثات إنما تحاور نفسها".

وكانت المبادئ المتفق عليها في إيكس ليبان وفق ما ذكره ادكارفور هي:

1-     ذهاب بنعرفة

2-    تكوين مجلس حفظة العرش

3-     تكوين حكومة مغربية بعد عودة محمد الخامس

4-     قضية عودة محمد الخامس إلى فرنسا بقي تاريخ تحقيقها معلقا

وابتهجت السلطات الفرنسية مما تمخض عن محادثات إيكس-ليبان خاصة بعد الاستماع إلى المداخلة البليغة بلغة فرنسية راقية لعبد الرحيم بوعبيد كما جاء في مداخلة الخواجة، وعلق عليها ادكارفور: "ألم يكن هذا أعظم ضمان لفرنسا من قبل أناس يعبرون جيدا عن عبقرية هذه اللغة ".

والملاحظ أن هاته المفاوضات لم تخض في موضوع الاستقلال، وقد رفضها المقاومين وعبر محمد بن عبد الكريم الخطابي مرارا على رفض هذا النهج وما يمكن أن يتولد عنه، ووصفها أنذاك المهدي المنجرة بـ"الخيانة" وقد توالت العديد من اللقاءات فيما بعد ووقعت العديد من الاتفاقيات أطرت العلاقات الفرنسية المغربية لكن لم يعرف الكثير حول مضمونها، باستثناء بعص التصريحات المقتضبة. 

فرنسا في مواجهة الخطر الداهم

من خلال مذكرات ادكارفور يمكن أن نتشف المحاولات الفرنسية آنذاك بخصوص تنحية بنعرفة لإرضاء الحزبيين من جهة، ومن جهة أخرى لتهدئة الانزعاج الاسباني من عدم إخبارها المسبق بنفي محمد الخامس وكذلك لدفع في اتجاه تنسيق الجهود الاستعمارين الفرنسي والاسباني حتى لا تكون المنطقة الشمالية المستعمرة من طرف إسبانيا قاعدة لانطلاق الكفاح المسلح مستقبلا... كما نستشف استشعار "الاخطار الكبيرة" القادمة التي كانت لدى السلطات الاستعمارية خلال شهر شتنبر 1955 والتي يجب تجنبها بتحية بنعرفة.

مما يعني أن السلطات الاستعمارية كانت تسابق الزمن للحيلولة دون انطلاق عمليات جيش التحرير المغربي، فذهاب بنعرفة مرتبط أشد الارتباط بالالتفاف على الخطر القادم.  والأخطر من هذا، وفق محمد لخواجة هو الاستنتاج الذي وصل إليه رئيس الوزراء الفرنسي ادكارفور حول اعتماد الفرنسيين على الأحزاب لاستبعاد خطر داهم، لأنه تكونت لدى السلطات الفرنسية قناعة كون الوطنيين لا يستبعد انحيازهم إلى حملة السلاح إذا لم يغادر بنعرفة.

ومن هنا ولكون الأحزاب المغربية كانت في جيب الاستعمار، كان الهاجس من المناطق التي يمكن أن تشكل تهديدا حقيقيا للوجود الاستعمار وتنسف التفاهمات التي جرت في إيكس ليبان. فقد حاولت السلطات الفرنسية إفشال انطلاق جيش التحرير بزيارة مسؤول كبير من رئاسة الجمهورية رفقة المقيم العام دولاتور إلى بورد وأكنول وتيزي وسلي يوم 26 شتنبر واعدا بالإصلاحات القادمة.

كما عمدت سلطات الاحتلال بذريعة وجود اتفاق مع الجزائريين لقيام عمل مسلح انطلاقا من المنطقة الخليفية الخاضعة لسيطرة إسبانيا، إلى عسكرة الحدود الممتدة من وزان إلى كرسيف وإلى بركان، وشهدت مراكزها العسكرية الفرنسية تكديس القوات خوفا من أن تصبح هذه الجهات أو بعضها مسرحا لانطلاق حرب تحريرية ... وبعد تسرب أخبار غير مؤكدة عن إمكانية وجود مناطق معينة في اكزناية والأطلس المتوسط لها ارتباط بالأخبار المسربة حول تحركات مقلقة، وضعت حراسة مشددة في الطرقات.

كما تم استنفار المقدمين والشيوخ والمخبرين المنبثين في الدواوير من طرف ضباط مراكز الشؤون الأهلية. وقد ثبت يوما قبل الهجوم أن "تادي" حاكم بورد كان يسأل عما يروج من كون بعض الأفراد لهم علاقة بالأمر بواسطة رسائل توصل بها، بالإضافة إلى استدعائه للشيخ محمد مسعود اعبابو، ولم يفارقه إلا عند اقتراب منتصف الليل، لتبادل الرأي حول ما يشاع ... وما أدل على كثرة الوشاة المنبثين في القبيلة هو حيازة الفقيه عبد العزيز، قائد هجوم بورد، لمذكرة القبطان بعد فراره من منزله. وجدها مليئة بصور المخبرين، وإلى جانبها تعليقات "تادي". وقد تسلمها منه عباس المساعدي بطلب منه، دون كشف محتواها. وضاع بهذا سيل من الأسرار، كما جاء في مداخلة محمد الخواجة استنادا إلى مذكرات عبد العزيز أقضاض.

لقد فوت حرص خلايا جيش التحرير على السرية، الفرصة على المخبرين في منطقة بورد، بخلاف تيزي وسلي التي تسرب فيها الخبر عشية 1 أكتوبر، مما دفع الحاكم الفرنسي إلى تجميع الأسلحة والعسكريين وأبنائهم في المغارات التي أعدت ب "ثاوريث إعذويان"،كما تسرب الموعد المقرر للهجوم كذلك في مرموشة وفق مذكرات ميمون لياس أوعقا، لكن لم يمنع ذلك من نجاح الهجوم.

مناورات جماعة تطوان

أقام أعضاء هذه الجماعة شهورا طويلة بتطوان دون أن يمروا إلى الفعل، وإحداث نقلة إلى الكفاح المسلح رغم توفر السلاح منذ 30 مارس 1955 عبر سفينة "دينا"، كما قاموا بمحاولات لإيقاف عجلة الكفاح بتأكيدهم على أولوية التفاوض واتهام عباس المساعدي بالمتسرع.

أورد محمد الخواجة في كتابه "عباس المساعدي الشجرة التي تخفي غابة جيش التحرير" مراسلات لعباس المساعدي التي كان يحث فيها جماعة تطوان للقيام بمهام عملية ملموسة في جبهة القتال، هذه المراسلات يؤكد من خلالها عباس المساعدي أن الكفاح من أجل الاستقلال يستدعي الانتقال إلى العمل الميداني في الناظور والمناطق التي ستشهد انطلاق عمليات جيش التحرير وليس ملازمة تطوان أو ترصد السفريات.

إثر ذلك بعث عبد الكريم الخطيب بتاريخ 10 غشت 1955 أي قبل حوالي شهر و22 يوما من انطلاق ثورة 2 أكتوبر 1955 لعبد الله الصنهاجي الرسالة التالية: " ...السيد عبد الله الرجاء منكم الحضور لتطوان يوم الخميس، لحضور الجمع الأول الذي سيتعقد يوم الجمعة صباحا. إننا نؤكد عليكم في ذلك مصحوبين بجميع الحسابات وكناش الاتصالات التي عندكم وكذلك ما تبقى لكم من مال لا زال تحت يدكم مرفقين بالأخ عباس".

وعوض الاستجابة لطلبات قيادة مركز الناظور بإرسال العدد الكافي من الأطر والقادة ليساهموا إلى جانب عباس والصنهاجي في العمل الميداني قامت جماعة تطوان بتصرفات غريبة في فترة عسيرة يتم فيها الاستعداد على قدم وساق لانطلاق حرب التحرير، وكان من شأن ذلك تقويض عمل جيش التحرير برمته.

اعتبر الصنهاجي، في مذكراته، ذلك مؤامرة تحاك ضد خطة جيش التحرير، الغاية منها وأد حرب التحرير في مهدها، فبعد وصول عباس إلى تطوان على متن طائرة، اتصل بالغالي العراقي هاتفيا يخبره بأنه سيزوره، غير أن هذا الأخير رد عليه بأنه مشغول بالحسابات بالمتجر الذي يشتغل فيه، كما وجد قرار إبعاده عن تسيير مركز الناظور في انتظاره.  وتم سجنه لأنه أبدى رأيه في التنظيم المتقاعس بتطوان واستطاع معانقة ثوار الريف والأطلس وأكد للجميع أن الحرب التحررية ستبدأ لا محالة.

تراجعت جماعة تطوان عن خطتها، على أساس أن يتحمل الصنهاجي مسؤولية جيش التحرير وحده دون عباس المساعدي فعاد هذا الأخير إلى الناظور مرفوع الرأس. وهنا يتساءل لخواجة في كتابه "عباس المساعدي الشجرة التي تخفي غابة جيش التحرير": كيف تسند مهمة التسيير للصنهاجي؟ وهي تعلم أن دوره كان يقتصر على الجانب الإداري المحض، وأن التنظيم العسكري والاتصالات والتنقلات إلى المواقع من اختصاص عباس المساعدي.

كما تملصت هذه الجماعة من وعودها بتوفير السلاح لخلايا جيش التحرير كما ذكرنا في الجزء الخامس من هذه السلسلة من المقالات.

كثافة تحركات عباس المساعدي استعدادا لانطلاق جيش التحرير

استعرض محمد لخواجة في كتابه "عباس المساعدي الشجرة التي تخفي غابة جيش التحرير" النشاط الكثيف لعباس المساعدي خلال شهرين ونصف من وصوله إلى الناظور إلى غاية انطلاق جيش التحرير في 02 أكتوبر 1955، فكان كثير التنقل بين أماكن تدريب المقاتلين، وإعطاء التعليمات للجهات المعنية بالكفاح على طول وعرض جبهة القتال من دار عمر أشهبون غرب "قاسيطا" و"ثلات أزلاف" للقاء عناصر من تيزي وسلي وأكنول إلى "عين زورا" لالتقاء مناضلي جهة مزكيتام ومغراوة وصاكا، وعلى ضفاف ملوية للقاء ثوار بركان وفي الناظور يتم اللقاء بممثلي جهات الأطلس المتوسط بكل قبائله من مرموشة وآيت وراين.

وكان يقوم بتوزيع المهام والإعداد الحربي والنفسي للمقاتلين، وتكليف لاجئي الناظور بأنشطة مختلفة (تنظيف الأسلحة، نقلها إلى مناطق التدريب...)، كما قام بعدة مهام في التنسيق مع الخلايا وتشكيل مراكز جديدة لجيش التحرير والتدريب وربط اتصالات مع عدد من المناطق الشمالية الشرقية والاطلس المتوسط...

هام جدا :
ان إدارة موقع يابلادي تحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء أسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً
- نتمنى من الجميع احترام وجهات نظر الآخرين والمشاركة بموضوعية .
كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال