القائمة

الرأي

العواقب السيكو-سوسيولوجية للإستهلاك كإدمان

أُقحم الإنسان المعاصر على الرغم من أنفه في عالم استهلاك سلبه بصره وبصيرته، بمعنى جرده من ملكاته العقلية، فاسحا أبواب غرائزه الحيوانية البدائية على كثرتها أمام عدمية محققة، حتى ليُخيل للمرء بأن هذا الإنسان كلما زاد وعيا بوضعه كإنسان، كلما ارتفعت وتيرة لهفته على الإستهلاك الأعمى لما تقذف به معامل التصنيع في "السوق الحرة". ويصبح الإستهلاك إدمانا، شأنه في ذلك شأن كل نوع آخر من الإدمان، عندما يصبح شعورا لاواعيا، يتمظهر في شكل قهري، يفرض على المرء الدوران الأزلي في حلقة مفرغة، تُفرغه من كل مقوماته الإنسانية، لا يشبع ولا يرتاح؛ بل كلما تخيل أنه شبع، كلما كبر جوعه للإستهلاك أكثر.

نشر
DR
مدة القراءة: 9'
يصبح الإستهلاك إدمانا بالمعنى المرضي للكلمة، عندما تتجاوز محاولة إشباع الرغبات عتبة ضروريات الحياة من مأكل ومشرب ولباس ومسكن، إلى الرغبة في الوصول إلى قمة الثانويات، ومُصاحبة هذه الرغبة بانفعالات وجدانية تتأرجح بين ضغط نفسي للحصول على هذا الثانوي وترجمة هذا الضغط في الواقع بسلوكات بعينها وبين الشعور بخيبة الأمل، وتجلي هذا الأخير في سلوكات معينة. ولا تنحصر الثانويات في كل ما لا يساهم مباشرة في تلبية الحاجات البيولوجية للإنسان، أي الضروريات، بل إن هذه الأخيرة لم تعد منحصرة على ما هو أساسي بل أصبح فيها ما هو ثانوي أيضا، يكون مرغوبا فيه ويصبح الشغل الشاغل للإنسان.
 
للإستهلاك كإدمان، يعني كحالة مرضية حقيقية، أسسه العتيدة منذ الثورة الصناعية وظهور الفائض عن الحاجة ورغبة الرأسمال في تسويق هذا الأخير بكل الوسائل المتاحة. وبما أن منطق التصنيع قد تطور مع القرون من منطق تسويق الفائض عن الحاجة إلى منطق تصنيع ما ليس ضروري البتة، وإيهام البشر بأن هذا اللاضروري هو أهم شيئ للمستهلك، فإن إشكالية الإستهلاك كإدمان مرضي غير صحي، بل ومعدي، قد تأكدت. فبموازات تطوير منطق التصنيع لأدوات الإنتاج وتنويع المنتوجات، طور آليات تسويق تستهدف في المقام الأول اللاشعور وشحنه بكل ما يسلب الإنسان ملكة التفكير ويحرمه منها، عن طريق تقنيات إيحائية، بل تنويم ميغناطيسية معقدة ومتشعبة، يسقط في حبالها حتى "أعقل" و"أفطن" و"أنقد" إنسان دون وعي. والنتيجة هو أن الإنسان يتوهم بأنه حر، لكنه في العمق مسلوب الإرادة، تفرض عليه مُستهلاكات هو في الحقيقة في غنى عنها، لكن يتهيأ له بأنه في حاجة ملحة لها، ليس بالضرورة لكي يعيش، بل ليكون كالآخرين، مقاومة منه للشعور بالدونية والإحساس الوهمي بالتفوق. أي بناء هوية مُصطنعة، قشورية، ما يهمها هو نظرة الغير لها، وليس الرضى الذاتي على النفس على أساس مقومات عقلية. بمعنى طغيان التفكير الوجداني على حساب التفكير المعرفي العقلي، وحيثما طغى الوجدان، طغى اللاشعور بجذوره الحيوانية العميقة، ليصبح الإنسان أداة طيعة في مهب ريح الإستهلاك الأعمى، العبد الطيع لسيده: "التصنيع".
 
تتجلى أعراض الإستهلاك كإدمان باتولوجي في سلوكات فردية وجماعية لا حصر لها، لا يسعنا في هذا المقام إلا ذكر البعض منها. يقابل الإدخار كقيمة شبه أخلاقية للأمس منطق التبذير والعيش فوق الطاقة، تحت وطأة الديون وما يترتب عن ذلك من ضغط نفسي واجتماعي. لم يعد المرء يخاف من الإقتراض، لأن هذا الأخير لم يعد يربطه بشخص معين، بل بمؤسسة مالية "مجهولة"، همها الأساسي المعلن هو "الدفع بالتقسيط"، ليعيش الإنسان "مرتاح البال"، أي في العمق عبدا، ليس فقط لعمله، بل و أيضا لهذه المؤسسة. يتمظهر إدمان الإستهلاك على المستوى الفردي في الهوس بكل ما هو جديد والرغبة الملحة في اجتهاد المرء لأن يكون من أوائل من يقتنوه، لأن هذا النوع من السبق يوحي له بأنه شخص استثنائي، على اعتبار أن منطق السوق يغذي وهم الإنتماء إلى "النخبة". دون وعي منه، يجد الإنسان نفسه ضحية منطق منافسة استهلاكية، يقارن نفسه بأناس وهميين أو حقيقيين، لا تسمح له نفسه أن يكونوا "أحسن" منه. بمعنى أن ميكانيزم التعويض الذي يسمح به "قانون" الإستهلاك، يخفي في العمق الفقر الوجودي للشخص وعدم ثقته بنفسه ورضاه عنها.
 
يتمثل تمظهر الإدمان الإستهلاكي على المستوى الإجتماعي في نوع من الهستيريا الجماعية من أجل اقتناء منتوج معين، كما يحدث عندما يسوق منتوج تيقنولوجي لأول مرة أو عند بداية "مواسم" التخفيضات في المحلات التجارية، واكتضاض المستهلكين على أبوابها. إضافة إلى هذا، فقد انزلق مفهوم "الزبون"، الذي كان يعني نوعا من الوفاء لمحل أو بضاعة بعينها، ليعني حاليا "المستهلك"، الذي لا يعني أكثر من عابر سبيل، لا تهمه العلاقة الإنسانية في العملية التجارية بصاحب المحل، بقدر ما يهمه ما يقدمه له هذا المحل مما جد من البضائع. وبهذا، لم يعد صاحب المحل هو محور العلاقة التجارية اجتماعيا، بل المحل في حذ ذاته، وبالخصوص إذا كان مقرونا بماركا معينة.
 
ككل نوع من أنواع الإدمان، فإن للإدمان على الإستهلاك عواقب صحية لا يجب الإستهانة بها، لخطورتها بالنسبة للفرد وللمجتمع. فالضغط النفسي الذي ينتج عن هذا الوضع اللاصحي بالنسبة للفرد يُترجم في اضطرابات نفسية واضحة المعالم كالقلق المزمن الذي قد يفضي إلى الكآبة، بكل أعراضها الجسد-نفسية. أما على المستوى الإحتماعي، فإن حدة التنافس الصراعي على الإستهلاك، تؤدي إلى تعميق الصراع الطبقي، الذي يصل أوجه في الإعتداء العلني على ملك الغير والسرقة الموصوفة وتفشي الجرائم والشعور بانعدام الأمن أو انعدامه الفعلي. وأهم خاصية له كمرض اجتماعي هو عدم الحرج في استغلال السلطة، ولو كانت صغيرة، وقبول أو المطالبة بعلاوات ورشاوي والإتجار في المخدرات بكل أنواعها واللجوء إلى النصب والإحتيال بكل وجوهه.
 
"إعلان الحرب" ضد الإدمان على الإستهلاك هو "إعلان للحرب" ضد اللاوعي الفردي والجماعي والرجوع إلى كفاءاتنا العقلية ومهاراتنا الإجتماعية، لتخليص ذواتنا من أكبر استعمار فرض علينا، ألا وهو استعمار أرواحنا وعقولنا وأنماط حياتنا وسلوكنا؛ خاصة ونحن نعلم بأن القدر الأوفر مما نستهلكه لا ننتجه بأيدينا وليست لنا أية فكرة كيف وبماذا ولماذا ينتج.

يصبح الإستهلاك إدمانا بالمعنى المرضي للكلمة، عندما تتجاوز محاولة إشباع الرغبات عتبة ضروريات الحياة من مأكل ومشرب ولباس ومسكن، إلى الرغبة في الوصول إلى قمة الثانويات، ومُصاحبة هذه الرغبة بانفعالات وجدانية تتأرجح بين ضغط نفسي للحصول على هذا الثانوي وترجمة هذا الضغط في الواقع بسلوكات بعينها وبين الشعور بخيبة الأمل، وتجلي هذا الأخير في سلوكات معينة. ولا تنحصر الثانويات في كل ما لا يساهم مباشرة في تلبية الحاجات البيولوجية للإنسان، أي الضروريات، بل إن هذه الأخيرة لم تعد منحصرة على ما هو أساسي بل أصبح فيها ما هو ثانوي أيضا، يكون مرغوبا فيه ويصبح الشغل الشاغل للإنسان.
 
للإستهلاك كإدمان، يعني كحالة مرضية حقيقية، أسسه العتيدة منذ الثورة الصناعية وظهور الفائض عن الحاجة ورغبة الرأسمال في تسويق هذا الأخير بكل الوسائل المتاحة. وبما أن منطق التصنيع قد تطور مع القرون من منطق تسويق الفائض عن الحاجة إلى منطق تصنيع ما ليس ضروري البتة، وإيهام البشر بأن هذا اللاضروري هو أهم شيئ للمستهلك، فإن إشكالية الإستهلاك كإدمان مرضي غير صحي، بل ومعدي، قد تأكدت. فبموازات تطوير منطق التصنيع لأدوات الإنتاج وتنويع المنتوجات، طور آليات تسويق تستهدف في المقام الأول اللاشعور وشحنه بكل ما يسلب الإنسان ملكة التفكير ويحرمه منها، عن طريق تقنيات إيحائية، بل تنويم ميغناطيسية معقدة ومتشعبة، يسقط في حبالها حتى "أعقل" و"أفطن" و"أنقد" إنسان دون وعي. والنتيجة هو أن الإنسان يتوهم بأنه حر، لكنه في العمق مسلوب الإرادة، تفرض عليه مُستهلاكات هو في الحقيقة في غنى عنها، لكن يتهيأ له بأنه في حاجة ملحة لها، ليس بالضرورة لكي يعيش، بل ليكون كالآخرين، مقاومة منه للشعور بالدونية والإحساس الوهمي بالتفوق. أي بناء هوية مُصطنعة، قشورية، ما يهمها هو نظرة الغير لها، وليس الرضى الذاتي على النفس على أساس مقومات عقلية. بمعنى طغيان التفكير الوجداني على حساب التفكير المعرفي العقلي، وحيثما طغى الوجدان، طغى اللاشعور بجذوره الحيوانية العميقة، ليصبح الإنسان أداة طيعة في مهب ريح الإستهلاك الأعمى، العبد الطيع لسيده: "التصنيع".
 
تتجلى أعراض الإستهلاك كإدمان باتولوجي في سلوكات فردية وجماعية لا حصر لها، لا يسعنا في هذا المقام إلا ذكر البعض منها. يقابل الإدخار كقيمة شبه أخلاقية للأمس منطق التبذير والعيش فوق الطاقة، تحت وطأة الديون وما يترتب عن ذلك من ضغط نفسي واجتماعي. لم يعد المرء يخاف من الإقتراض، لأن هذا الأخير لم يعد يربطه بشخص معين، بل بمؤسسة مالية "مجهولة"، همها الأساسي المعلن هو "الدفع بالتقسيط"، ليعيش الإنسان "مرتاح البال"، أي في العمق عبدا، ليس فقط لعمله، بل و أيضا لهذه المؤسسة. يتمظهر إدمان الإستهلاك على المستوى الفردي في الهوس بكل ما هو جديد والرغبة الملحة في اجتهاد المرء لأن يكون من أوائل من يقتنوه، لأن هذا النوع من السبق يوحي له بأنه شخص استثنائي، على اعتبار أن منطق السوق يغذي وهم الإنتماء إلى "النخبة". دون وعي منه، يجد الإنسان نفسه ضحية منطق منافسة استهلاكية، يقارن نفسه بأناس وهميين أو حقيقيين، لا تسمح له نفسه أن يكونوا "أحسن" منه. بمعنى أن ميكانيزم التعويض الذي يسمح به "قانون" الإستهلاك، يخفي في العمق الفقر الوجودي للشخص وعدم ثقته بنفسه ورضاه عنها.
 
يتمثل تمظهر الإدمان الإستهلاكي على المستوى الإجتماعي في نوع من الهستيريا الجماعية من أجل اقتناء منتوج معين، كما يحدث عندما يسوق منتوج تيقنولوجي لأول مرة أو عند بداية "مواسم" التخفيضات في المحلات التجارية، واكتضاض المستهلكين على أبوابها. إضافة إلى هذا، فقد انزلق مفهوم "الزبون"، الذي كان يعني نوعا من الوفاء لمحل أو بضاعة بعينها، ليعني حاليا "المستهلك"، الذي لا يعني أكثر من عابر سبيل، لا تهمه العلاقة الإنسانية في العملية التجارية بصاحب المحل، بقدر ما يهمه ما يقدمه له هذا المحل مما جد من البضائع. وبهذا، لم يعد صاحب المحل هو محور العلاقة التجارية اجتماعيا، بل المحل في حذ ذاته، وبالخصوص إذا كان مقرونا بماركا معينة.
 
ككل نوع من أنواع الإدمان، فإن للإدمان على الإستهلاك عواقب صحية لا يجب الإستهانة بها، لخطورتها بالنسبة للفرد وللمجتمع. فالضغط النفسي الذي ينتج عن هذا الوضع اللاصحي بالنسبة للفرد يُترجم في اضطرابات نفسية واضحة المعالم كالقلق المزمن الذي قد يفضي إلى الكآبة، بكل أعراضها الجسد-نفسية. أما على المستوى الإحتماعي، فإن حدة التنافس الصراعي على الإستهلاك، تؤدي إلى تعميق الصراع الطبقي، الذي يصل أوجه في الإعتداء العلني على ملك الغير والسرقة الموصوفة وتفشي الجرائم والشعور بانعدام الأمن أو انعدامه الفعلي. وأهم خاصية له كمرض اجتماعي هو عدم الحرج في استغلال السلطة، ولو كانت صغيرة، وقبول أو المطالبة بعلاوات ورشاوي والإتجار في المخدرات بكل أنواعها واللجوء إلى النصب والإحتيال بكل وجوهه.
 
"إعلان الحرب" ضد الإدمان على الإستهلاك هو "إعلان للحرب" ضد اللاوعي الفردي والجماعي والرجوع إلى كفاءاتنا العقلية ومهاراتنا الإجتماعية، لتخليص ذواتنا من أكبر استعمار فرض علينا، ألا وهو استعمار أرواحنا وعقولنا وأنماط حياتنا وسلوكنا؛ خاصة ونحن نعلم بأن القدر الأوفر مما نستهلكه لا ننتجه بأيدينا وليست لنا أية فكرة كيف وبماذا ولماذا ينتج.

منبر

الدكتور حميد لشهب
عضو المجلس البلدي لمدينة فيلدكرخ النمساوية
حميد لشهب
كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال