القائمة

الرأي

درجة الصفر في تحمّل المسؤولية

أثار قرار الملك محمد السادس تعليق أنشطة وزير الشبيبة والرياضة المغربي، محمد أوزين، إلى حين انتهاء التحقيق في فضيحة أكبر ملعب رياضي في العاصمة الرباط، نقاشاً واسعاً بين رواد المواقع الاجتماعية في المغرب، حتى كاد يغطي على عاصفة الانتقادات التي طالت الوزير، صاحب الفضيحة.

نشر
DR
مدة القراءة: 4'

تفاصيل القضية التي شغلت بال الرأي العام المغربي، تعود إلى الأسبوع ما قبل الماضي، عندما كانت تجري مباراة كروية في الرباط، برسم كأس العالم المصغرة للفرق البطلة، وتحت وابل الأمطار التي تساقطت على العاصمة المغربية، تحوّل عشب المركب الرياضي إلى حوض سباحة، وتناقلت وسائل الإعلام العالمية صوراً ولقطات للاعبي كبار الفرق العالمية، وهم يتزحلقون فوق المياه التي امتلأ بها الملعب، وسرعان ما تناسلت التعليقات الساخرة والغاضبة، وتحولت المباراة إلى فضيحة أساءت لصورة المغرب الرياضية الذي سبق له أن تقدم أكثر من مرة بطلبات لتنظيم كأس العالم فوق أرضه.

وبدلاً من أن يتدخل الوزير المسؤول عن قطاع الشبيبة والرياضة، ويعتذر للشعب المغربي عما حصل، أو على الأقل يقر بتحمله مسؤوليته، قام بتحميل المسؤولية لاثنين من كبار مساعديه، عندما أقدم على توقيفهما، حتى قبل أن يأمر بفتح تحقيق في ما جرى. بينما تولت حماته مهاجمة منتقديه علانية، وردّت عليهم بتذكيرهم بأن صهرها وزير وليس مقاولاً، وبالتالي، لا ينبغي تحميله مسؤولية غرق المركب الرياضي تحت مياه الأمطار! لكن ما غاب عن حماة السيد الوزير، أن صهرها هو الذي صرف لشركة الصيانة الأجنبية التي تولت زراعة عشبه الجديد نحو 22 مليون يورو، من أموال دافعي الضرائب. وبالتالي، فهو من يتحمل المسؤولية السياسية عن كل إخلال ناتج من عدم احترام الشركة التزاماتها.

أما رئيس الحكومة الإسلامي، عبد الإله بنكيران، بصفته الرئيس المباشر للوزير، فظل يتفرج على تفاعلات هذه القضية إعلامياَ، داخلياً وخارجياً، حتى صدر القرار الملكي الذي أمر بتوقيف أنشطة الوزير، وأمر رئيس الحكومة بفتح تحقيق في ملابسات القضية التي تحولت إلى فضيحة. وبقدر ما أراح القرار الملكي منتقدين كثيرين للوزير، رأوا فيه انتصاراً لحملتهم ضد الوزير الذي أساء إلى صورة بلادهم الرياضية، إلا أنه أثار نقاشاً كبيراً بشأن مدى دستوريته، عدا كونه قراراً ملتبساً وغامضاً. فهو لم يٌقِل الوزير، وإنما أمر بتعليق بعض أنشطته، وكأن الأمر يتعلق فقط بعقاب مؤقت، إلى حين امتصاص غضب الشارع، ليعود الوزير إلى مكتبه، على الرغم من أنف منتقديه.

وهل يوجد في قانون العقوبات المغربي قرار بتعليق الأنشطة؟ وبأي موجب قانوني، يحق للملك أن يعاقب وزيراً؟ وهل من صلاحية الملك إقالة الوزراء؟ وما دور رئيس الحكومة في هذه القضية؟

أسئلة كثيرة ومثيرة تضع الدستور المغربي، الذي قيل إنه حفل بإصلاحات سياسية كثيرة، على المحك، خصوصاً في ما يتعلق بالفصل بين السلطات. والذي يعيد قراءة الدستور، لن يجد فيه ما يشير إلى صفة "وزير مع وقف التنفيذ"، لأن هذه هي الوضعية الحالية لوزير الشبيبة والرياضة، بعد تعليق أنشطته، بتعليمات من الملك. أما إقالة الوزراء فأشار إليها الفصل 47 من الدستور الذي ينص على أن "للملك بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضواً، أو أكثر، من أعضاء الحكومة من مهامهم. ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو، أو أكثر، من أعضاء الحكومة، بناء على استقالتهم الفردية أو الجماعية".

لكن، المؤكد هو أن رئيس الحكومة لم يطلب أي شيء من الملك، بل سبق له أن صرح، عندما احتدّت الانتقادات ضد أحد أعضاء فريقه، بأنه يخشى أن معاوني الوزير الذين تم توقيفهم مجرد ضحايا، ولم يسبق له أن أمر بفتح أي تحقيق في موضوع الفضيحة. أما البيان الصادر عن الديوان الملكي فقد جاءت عباراته واضحةً، تقول إن الملك "أعطى تعليماته لرئيس الحكومة لتعليق أنشطة وزير الشباب والرياضة"، قبل أن يضيف أن الملك أصدر أيضاً الأمر "لرئيس الحكومة بفتح تحقيق معمق وشامل لتحديد المسؤوليات عن هذه الاختلالات". أي أن البيان الملكي أمر بفتح تحقيق، وفي الوقت نفسه، أمر بتعليق أنشطة الوزير.

وهناك من قرأ في هذا البيان تدخلاً للملك في سلطات رئيس الحكومة، وتأثيره على مجريات التحقيق ومآلاته، خصوصاً إذا كان سينتهي أمام القضاء الذي يرأس الملك مجلسه الأعلي، وتصدر أحكامه باسم الملك. وإلى جانب هذا النقاش القانوني الذي ما زال يتفاعل، فتحت هذه القضية نقاشاً سياسياً حول محدودية الإصلاحات السياسية التي نوه إليها كثيرون داخل المغرب وخارجه، فقد أظهرت هذه القضية أن الملك مازال اللاعب الرئيسي داخل الساحة السياسية المغربية، وأن لا سلطة لرئيس الحكومة، حتى على أعضاء حكومته، وأن طبيعة النظام السياسي ونمطه الانتخابي يؤديان، في النهاية، إلى إنتاج حكومة هشة، برئيس لا يحاسب أحد وزراء حكومته، عندما يخطئ.

وأخيراً، تقدم هذه القضية لنا درساً آخر عن غياب الأخلاق في الممارسة السياسية عند كبار المسؤولين، فالدستور المغربي ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكن الوزير المعني بهذه القضية التي تحولت إلى فضيحة لم يقر بمسؤوليته عنها، وهرب من إحدى جلسات الاستجواب البرلماني، على الرغم من طابعها الشكلي. وحتى عندما طالب منتقدوه باستقالته، أقال معاونيه، وحملهم مسؤولية ما وقع. إنها درجة الصفر في تحمل المسؤولية.

زيارة موقع الكاتب: http://www.lakome2.com

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال