تحميل...

من هموم الجالية المغربية بالخارج

منبر

عبد العالي حامي الدين
أستاذ العلوم السياسية بجامعة عبد المالك السعدي

موضوع المغاربة المقيمين بالخارج لم يأخذ حظه من النقاش الوطني، ومشاكل الجالية تتراكم وتتطور وتزداد تعقيدا في غياب سياسة عمومية مندمجة وموحدة بين مختلف المتدخلين في هذا الملف (الوزارة المكلفة بالجالية، المجلس الأعلى للجالية، مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، مؤسسة محمد الخامس للتضامن..).

البرنامج الحكومي التزم بجعل المواطنين المغاربة بالخارج في صلب أولويات السياسة الحكومية وذلك بالدفاع عن حقوقهم وحماية مصالحهم وتوطيد علاقاتهم بوطنهم الأصلي، ومن بين المحاور التي وعد البرنامج الحكومي بالاشتغال عليها: تنويع وتطوير برامج التربية والتأطير الديني وتعليم اللغتين العربية والأمازيغية والبرامج الثقافية.

كما وعد البرنامج الحكومي بالعمل على تحسين وتطوير الخدمات الإدارية وتعميم الاستشارة القانونية والقضائية والإدارية وتسريع معالجة الشكايات والمنازعات الإدارية ووضع برامج تواصاية للتوجيه والإرشاد وتعزيز شبكة المراكز القنصلية وعصرنة بنياتها وتحديث أدائها وتقريب خدماتها..

في الأسبوع الماضي كنت في زيارة لبعض الدول الأوروبية بدعوة كريمة من إحدى الجمعيات المغربية في هولاندا، ألقيت فيها عدة محاضرات في كل من بلجيكا وهولاندا ووقفت فيها على جانب من مشاكل المغاربة المقيمين في الخارج ومعاناتهم اليومية. هذه المشاكل تعكس وجود هوة عميقة بين الطموح المعبر عليه في البرنامج الحكومي وبين الواقع الموجود على الأرض، وهو ما ينمي الشعور لدى مغاربة الخارج بأن الحكومة لا تهتم إلا بعائداتهم المالية ولا تكلف نفسها عناء الغوص في معيشهم اليومي والإحساس العميق بمعاناتهم اليومية.

من أبرز هذه المشاكل مشاكل التربية والتعليم، فالأجيال الأولى للهجرة بذلت مجهودات كبيرة لبناء المساجد من أجل الحفاظ على الهوية وتعزيز القيم المغربية الأصيلة وانخرط الجيل الثاني في مجهودات تعليم اللغة والتربية الإسلامية وتأسيس العديد من الجمعيات التي توفر فضاءات مهمة للتلاقي والحوار بين أبناء الجيل الثاني والثالث والرابع، لكن هذه الجهود كلها قائمة على مبادرات تطوعية وهو ما يستدعي ضرورة الانتقال من العمل التطوعي إلى العمل المؤسساتي المدعوم من طرف الدولة المغربية عبر إرسال معلمين أكفاء في اللغة العربية والدراسات الإسلامية ومتمكنين من ثقافة ولغة بلدان المهجر، أو العمل على تكوين مدرسين من أبناء الجالية الحاصلين على شواهد جامعية مع تعبئة وإشراك الكفاءات والطاقات المهنية المغربية والأدمغة المهاجرة في إطار مشروع تربوي وثقافي وتنموي شامل.

الدعم الحكومي المنتظر من طرف الجالية ينبغي أن يترجم في مبادرات ميدانية لبناء مدارس جديدة وربط مدارس الجالية بالنظام التعليمي المغربي عبر مقررات خاصة بأبناء الجالية بالخارج تراعي خصوصيات بلدان الإقامة كما هو الحال بالنسبة للتجربة التركية التي نجحت نجاحا باهرا في هذا المجال.

من أهم انتظارات الجالية من الحكومة الجديدة إحداث شباك وحيد لتقديم الخدمات الإدارية وتبسيط الإجراءات وتسريع البث في الشكايات أثناء العودة إلى أرض الوطن و تأهيل وعصرنة الخدمات القنصلية بما يخدم سياسة القرب، وخلق عوامل تحفيزية للاستثمار، وتحسين ظروف العبور، وتوفير الحماية السياسية لمغاربة الخارج أمام مظاهر التمييز والعنصرية وسوء المعاملة التي يتعرضون لها في بعض الأحيان من طرف سلطات بلدان الإقامة.

من أهم مطالب مغاربة الخارج كذلك تمتيعهم بالحق في المشاركة السياسية وتمكينهم من اختيار من يمثلهم في المؤسسة التشريعية ومراعاة تمثيليتهم في مختلف المجالس الاستشارية الأخرى، وفي هذا الإطار فإن جميع الدفوعات التي قدمت في الانتخابات السابقة لإقصاء مغاربة الخارج من المشاركة السياسية تعتبر غير مقنعة بالنسبة لهم خصوصا بعد مشاركتهم في الاستفتاء الدستوري الأخير الذي مر في ظروف جيدة.

لكن بعيدا عن لغة المطالب والحقوق فإن النخب المثقفة الموجودة ببلدان المهجر تشتكي كثيرا من بعض السلوكيات المشينة لأبناء الجالية من الجيل الثاني والثالث التي تقدم نماذج غير حضارية تسيء إلى جهود الاندماج الموزون القائم على اعتبار أبناء الجالية مواطنين يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة وينحدرون من أصول مغربية ويعتزون بانتمائهم الإسلامي ويحرصون على المحافظة على هويتهم الحضارية في احترام تام لقوانين بلدان الإقامة.

وهو ما يفرض عليهم امتلاك رؤية استراتيجية تؤمن بالتنوع والاختلاف وتستوعب بعض التناقضات الموجودة على صعيد القيم بينهم وبين مواطني بلدان الإقامة خصوصا في البلدان الأوروبية، كما تتطلب استيعابا جيدا للمنظومة السياسية وللمنظومة القانونية لبلدان الإقامة وامتلاك قدرة كبيرة على تجديد مفاهيم الإسلام القادرة على التكيف مع كل زمان ومكان وهو ما يستدعي نقاشا واسعا حول إشكالية الكونية والخصوصية..

إن ما نلاحظه من اختلافات على صعيد القيم ( الفن، السينما، الإعلام، الثقافة، العلاقة بين الرجل والمرأة، كيفية تربية الأطفال...) ما هو إلا انعكاس لتحولات كبرى تعيشها البشرية خلال العقدين الأخيرين، و من أبرز هذه التحولات على الإطلاق هو هذه الثورة التكنولوجية في ميدان الاتصال و الإعلام، وهي الثورة التي سمحت بعولمة الكثير من القيم و مكنت الكبار من فرض هيمنتهم على الصغار ، وهي ثورة ماضية في طريقها و لن تصمد أمامها أي محاولة للانكماش أو للانغلاق أو الاحتماء بالخصوصيات فقط، لكنها ، مع ذلك، ثورة تحمل في طياتها الكثير من الإيجابيات و ليس أمامنا سوى خوض الصراع و التدافع على نطاق كوني..

ولا عجب في ذلك فرسالة الإسلام كانت رسالة عالمية: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)..

إن طريق المحافظة على الخصوصيات داخل المجتمعات الأوروبية اليوم يمر عبر إبداع مبادرات نوعية كبرى قادرة على استغلال الإمكانات المتاحة وسط عالم مفتوح و متحرر، وتقديم عروض حضارية قادرة على تصحيح صورة الآخر حول الإسلام، وقادرة على تقديم الإسلام بصورته النقية والصحيحة بواسطة لغة الحوار البعيدة عن منطق الصراع والغلو والتشدد..

لكنه حوار حقيقي قائم على الندية والاعتراف المتبادل بين الثقافات وليس مختزلا في إملاءات الأقوياء الذين يحاولون فرض أنماط ثقافية وحضارية بواسطة لغة استعلائية بعيدة عن لغة الحوار والتعايش....

الحوار المطلوب ليس مع الغرب فقط، بل كثيرة هي القضايا التي تحتاج إلى نقاش عقلاني بين القوى المختلفة فكريا داخل المجتمعات العربية المسلمة، بعيدا عن المبارزات الإعلامية أو بعض السجالات الكلامية، التي تمثل معارك سطحية توجد فوق سطح المجتمع ولا تؤثر فيه...

مغاربة الخارج يمتلكون جميع المؤهلات ليكونوا سفراء للمغرب وللعالم الإسلامي، يحتاجون فقط لبعض الاهتمام والدعم..

تابع يابلادي
كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال
انظم ليابلادي على فايسبوك